المدونة

التاريخ الشفوى.. وسيلة لإعادة السرد الثقافى و الإجتماعى

كتبت : أنغام عدنان

في مجتمعاتنا العربية، يشكِّل التهميش وعدم الأعتراف بإسهامات النساء ظاهرة تاريخية تعكس قيودًا إجتماعية و ثقافية عميقة الجذور, في اليمن تحديدًا ظلت الفنانات المبدعات محاصرات بروايات أحادية تحجب أصواتهن و تنكر تأثيرهن.

 لكن مع ظهور منهجيات حديثة في دراسة التاريخ، كالتاريخ الشفوي، أصبح من الممكن إعادة بناء السرد الثقافي والإجتماعي بشمولية  و إنصاف, حيث يمثِّل توثيق التاريخ الشفوي للفنانات اليمنيات فرصةً فريدةً لسد الفجوة بين الجنسين و إستعادة الكرامة الثقافية والإجتماعية للمرأة اليمنية.

التاريخ الشفوي هو نهج يتم فيه جمع الشهادات الشفوية من الأفراد الذين عايشوا الأحداث موضوع الدراسة, حيث يتميز بكونه يتجاوز الوثائق المكتوبة التي غالبًا ما تقتصر على وجهات نظر النخبة أو السلطة، ليشمل الأصوات المهمَّشة.

يمتلك اليمن موروثًا ثقافيًا غنيًا يتمثل في الموسيقى، الرقص، الحرف اليدوية، و فنون الأداء، التي كانت النساء جزءًا أساسيًا منها, ومع ذلك فإن هذا الإرث معرض للإندثار بفعل النزاعات السياسية والإجتماعية المستمرة.

و بسبب ذلك فإن توثيق التاريخ الشفوي للفنانات اليمنيات يمكن أن يسهم في حماية هذا الموروث وصونه لتبقى الأجيال تتناقله، وتعتز بهويتها الثقافية المتعددة دون تهميش للنساء أو إنكارٍ لمواهبهن و تأثير أعمالهن. 

كما يمكن أن يتجاوز دور التاريخ الشفوي حدود التوثيق ليصبح أداة للتغيير الإجتماعي في حالة الفنانات اليمنيات، و ذلك من خلال تسليط الضوء على قصص الفنانات الذى سوف  يساعد على كسر الصور النمطية و تعزيز الحوار حول المساواة بين الجنسين, كما يدعم تمكين النساء من حقوقهن الإجتماعية والثقافية و أيضا يشجع الفنانات الصاعدات للمضي قدمًا في بناء مسارهن الفني وعدم الخوف من القيود والتحديات ورفض وصمة العار المجتمعية المتعلقة بمجالهن الإبداعي.

لهذا فإن التاريخ الشفوي ليس مجرد أداة لتوثيق الماضي، بل هو وسيلة لإعادة بناء الحاضر و صياغة المستقبل, فتوثيق تجربة الفنانات اليمنيات المنسيات لا يتعلق فقط بإحياء ذكرى أعمالهن، بل أيضًا بتحدي القوى التي همَّشت دورهن, إنه مشروع يتجاوز حدود التوثيق ليصبح دعوة للعدالة، و المساواة، و الأعتراف بدور النساء في المجال الفني والثقافي و الإجتماعي كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية اليمنية، ويمكن لهذا النهج أن:  

1. يوثق الإبداع النسوي المغيَّب في الفنون التقليدية والحديثة بسبب القيم الإجتماعية التي تنظر إلى النساء كأدوات للحفاظ على العادات بدلًا من كونهن صانعات إبداع.  

2. يُبرز قصص الفنانات الفردية ليثري السياق الثقافي والفني للمجتمع؛ إذ أن شهادات الفنانات يمكنها توضيح التحديات التي تعيشها النساء اليمنيات في ظل القيود الإجتماعية.  

3. يُعيد تشكيل السرد التاريخي؛ لإعادة تقييم الروايات الرسمية، و رفدها برؤى متعددة الأبعاد تأخذ تجارب النساء بعين الإعتبار.

شارك هذا المقال عبر

اقرأ أيضًا

التاريخ الشفوي… يبني الهوية المجتمعية
قصص الأجداد وحكايات الأباء وكل الحوارت القديمة الطويلة التي يضطر صاحبها للتفكير والتذكر قبلها ليست مجرد ذكريات، بل هي ذاكرة فردية وجماعية تُشكل أساس هويتنا وثقافتنا. التوثيق الشفوي للذاكرة الفردية والجماعية هو أحد أساليب حفظ التراث، الذي يعتمد على جمع المعلومات والذكريات من أفواه الناس والأسرة والأصدقاء والحكايات المتناقلة، ويتيح هذا الأسلوب فرصة توثيق حياة الناس اليومية وتجاربهم الشخصية، والتي غالباً ما تغفل في الوثائق المكتوبة. وما يميز التوثيق الشفوي أنه يخلق مساحة لظهور صوت الناس العاديين، ليصبحوا جزءاً من السرد التاريخي وتوثيق التراث.
التاريخ الشفوي أحد المصادر المهمة لتاريخ المجتمعات و الشعوب
خلال دراستي الجامعية في مجال التاريخ الحديث والمعاصر، كان أساتذتي دائمًا ما يؤكدون لنا على أهمية وضرورة التاريخ الشفوي في فهم هُويتنا، لكننا كنا نفتقد لهذا النوع من التاريخ، وبشكل كبير. وأتذكر الفكرة التي قدمها الدكتور عبد الله أبو الغيث، أحد أساتذتي، في إحدى المحاضرات، وهي لماذا لا نسجل قصص الشخصيات المهمة والأحداث التي شكلت تاريخنا، حتى تستفيد منها الأجيال القادمة؟ تخيلت وقتها كيف يمكن أن نطبق هذه الفكرة، وكيف يمكن أن نخلق أرشيفًا صوتيًا، يجمع تجارب الشخصيات البارزة والأحداث المهمة والفارقة في مجتمعنا، وكيف يمكن أن يساعدنا ذلك في توثيق هُويتنا التي دائماً ما تتعرض للتدمير والعبث والسرقة. يعتبر التاريخ الشفوي أحد المصادر المهمة التي تعتني بتاريخ المجتمعات والشعوب، حيث يوثق الذاكرة الحية للأجيال القادمة. ويقدم هذا النوع من التاريخ صورة واقعية عن تفاصيل الأحداث وطبيعة الحياة والعلاقات في المجتمع، لأنه يؤخذ من، أفواه المعاصرين الذين كانوا شهودًا على أحداث معينة، أو ما يمكن أن نسميه "السرد من منظور الشخص الأول".
التاريخ الشفوي صناعة التاريخ الضائع
التاريخ الشفوي وتوثيق التراث يُعدّان من أهم الوسائل لنقل الموروث الثقافي إلى الأجيال القادمة. وتُعدّ رقمنة التراث وسيلة للحفاظ عليه، والاعتزاز بتنوع الثقافات ونشرها على نطاق أوسع. هذه الجهود تمنح الشباب دافعًا لحمل تراثهم أينما ذهبوا، مما يضيف بُعدًا جديدًا لدورهم كمؤرخين وباحثين، ويسهم في نقل الفن والتراث إلى العالم بروح الشغف والاكتشاف. من وجهة نظري، التاريخ الشفوي يُشبه إلى حد كبير صناعة محتوى تاريخي يعكس الفن والتراث، لكنه يتجاوز ذلك بإضفاء بُعد شخصي ومعنوي على القصة، بناءً على تجربة الباحث وواقعه أثناء البحث. فكل معلومة تُكتشف ليست مجرد جزء من الماضي، بل هي بوابة لمشاعر وتجارب مرتبطة بها. أحيانًا يكون دور الباحث أشبه بمنقّب عن آثار تاريخية، حيث يرى الأحداث بعين من يكتب لهم، ويضيف حياة إلى كل مرحلة وشريط تاريخي. إن التساؤلات المستمرة في كل مرحلة بحثية تقود إلى اكتشاف معلومات جديدة وإعادة إحياء أجزاء مفقودة من التاريخ، مما يسهم في صناعة سردية متجددة للتاريخ الذي كاد أن يضيع.