المدونة

نساء يمنيات عبر العصور: سواءً تُوِّجن أو صاغن التاريخ بصمت

كتبت : أناستاسيا الغَشم

في الحقيقة يا أعزائي، ما جعلني أشارك معكم هذا المقال هو الدهشة التي أثارها اسم الملكة أروى الصليحية عند كثير من القراء لروايتي جليلة (عهد السيدة الحُرة). وهنا جال في خاطري سؤال مهم: كيف يمكن لملكة حكمت أكثر من خمسين عامًا وازدهرت البلاد في عهدها أن تكون مجهولة لدى كثيرين؟ هل المشكلة في الذاكرة؟ أم في ما كُتب؟ أم في ما لم يُكتب أصلًا؟ والسؤال الأهم: كيف غاب هذا الجزء من تاريخنا اليمني؟

بلا شك، تعددت الأسباب، ابتداءً من الحروب المتلاحقة التي دمرت المواقع الأثرية، إلى نهب وتهريب آثار ممالك اليمن القديم، وضعف حمايتها وانخفاض الوعي بقيمتها الحقيقية. كل ذلك أدى إلى تلاشي الوقائع، حتى الحكايات والأساطير لم يبقَ منها إلا القليل، مما تسبب في انخفاض صوت المرأة بعد أن شغلت موقعًا فاعلًا في الحكم، واحترمتها القبائل لحكمتها وقدرتها على إدارة شؤون البلاد. بدأ حضورها يتراجع تدريجيًا، متأثرًا بتغير البنية الاجتماعية، وهيمنة الأعراف القبلية، وانتشار الزواج المبكر، وتقلص فرص التعليم والوعي.

إلا أنه رغم كل تلك التحديات، المرأة اليمنية لم تختفِ! ربما غادرت المشهد السياسي، لكنها بقيت حاضرة في صميم الحياة. إلى اليوم، وفي ظل ظروف قاسية، ما زالت تدير أسرتها بحكمة، وتشارك في إعالة بيتها، وأنا هنا لا أتحدث عن المرأة المتعلمة فقط! بل أيضًا أسلط الضوء على المرأة الريفية التي تعمل في الزراعة، والخياطة، والحِرف اليدوية، وتصنع من أفكارها مشاريع ملموسة، دون أن تتخلى عن دورها الأمومي في الرعاية والاحتواء.

عند الحديث عن المرأة اليمنية، نحن لا نلقي الضوء فقط على الملكات المتوجات اللاتي أحدثن تغييرًا حقيقيًا في تاريخ اليمن، بل أيضًا نبحث ونتعرف على المرأة في الحياة اليومية، وندرس سيكولوجيتها عبر العصور المختلفة: كيف كانت تدير حياتها وحياة أسرتها؟ هل كانت تمتهن التجارة والأعمال الأخرى؟ وكيف تعامل معها مجتمعها؟

النقوش اليمنية القديمة بخطيها المسند والزبور لم توثق فقط حياة الملوك والحروب والانتصارات، بل كان للحياة اليومية نصيب كبير. أبحاث الآثاري والمؤرخ الفلسطيني د. محمد مرقطن أظهرت، من خلال أبحاثه الميدانية في معبد أرام بمأرب (1998-2006)، مئات الأسماء النسائية في النقوش، والتي توضّح أن النساء كن يقدمن نذورًا، يملكن ممتلكات، يدِرن أعمالًا تجارية، يكتبن رسائل، ويبنين بيوتًا ويدفعن تكاليفها.

المرأة اليمنية كان لها حضور قوي وبارز منذ آلاف السنين، وهذا الحضور ليس ادعاءً أو أسطورة، بل حقيقة أثبتتها الشواهد التاريخية والأبحاث الحديثة. وقد ذُكر دورها السياسي والعسكري، وقدرتها على تولّي القيادة، وحتى قيادة الجنود في بعض السياقات، كما ذُكر عن الملكة نادين ذي صدقن شمس، التي اكتُشف تمثالها الأثري في منطقة العود بمحافظة إب ويعود تاريخه إلى نحو ثلاثة آلاف سنة.

كما تمتّعت المرأة بحقوق اقتصادية ومالية واضحة؛ فكانت تبيع وتشتري، وتمارس التجارة، وتدير شؤونها المالية باستقلالية. ولم يقتصر حضورها على الجانب السياسي والاقتصادي فحسب، بل امتد إلى المكانة الدينية أيضًا، حيث قدّمت النذور للآلهة طلبًا للرزق والإنجاب، وعملت في المعابد، ووصلت إلى مرتبة الكاهنة، مما يعكس ثقة المجتمع بدورها الروحي والديني.

أبرز النساء والملكات في التاريخ اليمني:

  • ملكة مملكة سبأ، بلقيس: تجلّت حكمتها وقوة شخصيتها من خلال الآيات القرآنية وقصتها مع النبي سليمان عليه السلام في سورة النمل، ولا يزال اسمها مرتبطًا برمز القيادة النسائية الحكيمة.
  • الملكة أروى الصليحية: أول ملكة في الإسلام، عُرفت باسم “بلقيس اليمن الصغرى”. حكمت إلى جانب زوجها وتولت الحكم بعد وفاته، وحكمت بحكمة واقتدار قرابة 53 عامًا، متميزة بدعم التعليم، وتحقيق الاستقرار السياسي، وتمكين المرأة علميًا، وبناء المساجد والسواقي.
  • طريفة الحميرية: كاهنة ذات بصيرة، تنبأت بانهيار سد مأرب، وهو ما أدى إلى هجرة قبائل الأزد في شتى أجزاء اليمن والجزيرة العربية. ذُكرت قصتها في كتاب “قصص العرب” للدكتور محمد أحمد جاد المولى، كاتب وأديب مصري، مما يعكس تصوّر المجتمع لدور المرأة المعرفي والرمزي في تلك المرحلة.

كما تناول عدد كبير من الباحثين اليمنيين حضور المرأة في الحياة اليومية والنقوش القديمة، وأبرز تلك الكتب كتاب “المرأة في الحضارة اليمنية القديمة 100ق.م – 600م” للأستاذ أمين فيصل صالح، والذي أبرز أدوار المرأة في تاريخ اليمن القديم.

في كل مرة نتحدث عن المرأة، أو نسلّط الضوء على دورها الفاعل عبر التاريخ، نحن بذلك لا نحاول إثبات هويتها أو مكانتها لأحد، بل نذكّر أنفسنا، في المقام الأول، بمدى روعتها وقوتها وجمالها في فتراتها المختلفة، ومدى تأثيرها الراقي على الأسرة والمجتمع والوطن، حتى مع سرعة الحياة، وتراكم الالتزامات، وانتشار المعلومات المغلوطة المتوارثة والمستحدثة.

ختامًا: المرأة اليمنية لم تكن يومًا مجرد جزء من التاريخ، بل كانت صانعة للحياة والقرار، وموضع احترام وتقدير عبر العصور، سواء كانت متوجة أم عادية، في المدن أم في الريف،… وللحديث بقية.

شارك هذا المقال عبر

اقرأ أيضًا

التاريخ الشفوي… يبني الهوية المجتمعية
قصص الأجداد وحكايات الأباء وكل الحوارت القديمة الطويلة التي يضطر صاحبها للتفكير والتذكر قبلها ليست مجرد ذكريات، بل هي ذاكرة فردية وجماعية تُشكل أساس هويتنا وثقافتنا. التوثيق الشفوي للذاكرة الفردية والجماعية هو أحد أساليب حفظ التراث، الذي يعتمد على جمع المعلومات والذكريات من أفواه الناس والأسرة والأصدقاء والحكايات المتناقلة، ويتيح هذا الأسلوب فرصة توثيق حياة الناس اليومية وتجاربهم الشخصية، والتي غالباً ما تغفل في الوثائق المكتوبة. وما يميز التوثيق الشفوي أنه يخلق مساحة لظهور صوت الناس العاديين، ليصبحوا جزءاً من السرد التاريخي وتوثيق التراث.
التاريخ الشفوي أحد المصادر المهمة لتاريخ المجتمعات و الشعوب
خلال دراستي الجامعية في مجال التاريخ الحديث والمعاصر، كان أساتذتي دائمًا ما يؤكدون لنا على أهمية وضرورة التاريخ الشفوي في فهم هُويتنا، لكننا كنا نفتقد لهذا النوع من التاريخ، وبشكل كبير. وأتذكر الفكرة التي قدمها الدكتور عبد الله أبو الغيث، أحد أساتذتي، في إحدى المحاضرات، وهي لماذا لا نسجل قصص الشخصيات المهمة والأحداث التي شكلت تاريخنا، حتى تستفيد منها الأجيال القادمة؟ تخيلت وقتها كيف يمكن أن نطبق هذه الفكرة، وكيف يمكن أن نخلق أرشيفًا صوتيًا، يجمع تجارب الشخصيات البارزة والأحداث المهمة والفارقة في مجتمعنا، وكيف يمكن أن يساعدنا ذلك في توثيق هُويتنا التي دائماً ما تتعرض للتدمير والعبث والسرقة. يعتبر التاريخ الشفوي أحد المصادر المهمة التي تعتني بتاريخ المجتمعات والشعوب، حيث يوثق الذاكرة الحية للأجيال القادمة. ويقدم هذا النوع من التاريخ صورة واقعية عن تفاصيل الأحداث وطبيعة الحياة والعلاقات في المجتمع، لأنه يؤخذ من، أفواه المعاصرين الذين كانوا شهودًا على أحداث معينة، أو ما يمكن أن نسميه "السرد من منظور الشخص الأول".
التاريخ الشفوي صناعة التاريخ الضائع
التاريخ الشفوي وتوثيق التراث يُعدّان من أهم الوسائل لنقل الموروث الثقافي إلى الأجيال القادمة. وتُعدّ رقمنة التراث وسيلة للحفاظ عليه، والاعتزاز بتنوع الثقافات ونشرها على نطاق أوسع. هذه الجهود تمنح الشباب دافعًا لحمل تراثهم أينما ذهبوا، مما يضيف بُعدًا جديدًا لدورهم كمؤرخين وباحثين، ويسهم في نقل الفن والتراث إلى العالم بروح الشغف والاكتشاف. من وجهة نظري، التاريخ الشفوي يُشبه إلى حد كبير صناعة محتوى تاريخي يعكس الفن والتراث، لكنه يتجاوز ذلك بإضفاء بُعد شخصي ومعنوي على القصة، بناءً على تجربة الباحث وواقعه أثناء البحث. فكل معلومة تُكتشف ليست مجرد جزء من الماضي، بل هي بوابة لمشاعر وتجارب مرتبطة بها. أحيانًا يكون دور الباحث أشبه بمنقّب عن آثار تاريخية، حيث يرى الأحداث بعين من يكتب لهم، ويضيف حياة إلى كل مرحلة وشريط تاريخي. إن التساؤلات المستمرة في كل مرحلة بحثية تقود إلى اكتشاف معلومات جديدة وإعادة إحياء أجزاء مفقودة من التاريخ، مما يسهم في صناعة سردية متجددة للتاريخ الذي كاد أن يضيع.